هيئة فتاوى الشأن العام

عقد الاتفاقات بين الدول الإسلامية والكيان الصهيوني

 

 

ما حكم الشرع في عقد الاتفاقات  بين الدول الإسلامية والكيان الصهيوني؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإنه من المقرر شرعا أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وإنه ثمة فروقا بين حكم عقد الاتفاقات بين المسلمين والكافرين بشكل عام، وبين عقد الاتفاقات بين دول العالم الإسلامي اليوم والكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين؛ أرض الإسلام، فإن الأول من قبيل الحكم الشرعي، والثاني من قبيل النازلة التي لها خصوصيات وسياقات خاصة بها، يجب استصحابها عند الاجتهاد الفقهي في تلك النازلة. كما أنه يجب تمييز الاتفاقات التي هي من قبيل الإجراءات الفنية أثناء الحرب عن المعاهدات، فالاتفاق جزئي، والمعاهدات كلية.

وقبل بيان تلك الفروق نقدم بعض الحقائق، وهي:

  • الصراع بين المجتمعات المسلمة والكيان الصهيوني صراع ديني عقدي وجودي؛ فالكيان يقوم على عقيدة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، بناء على بعض المزاعم التوراتية.
  • أن احتلال الكيان الصهيوني للقدس والأقصى وغالب أرض فلسطين، ما يؤكد حالة العداء معه، ووجوب جهاده حربيا وسياسيا وبكل الوسائل الممكنة التي تحرر أوطان المسلمين من احتلال الكيان الصهيوني الكافر.

الفروق بين عموم الكفار والكيان الصهيوني:

أولا– حديث الفقهاء عن حكم عقد الاتفاقات بين المسلمين والكفار، هو حديث عن دولة كافرة أصالة، تجاور الدولة المسلمة، فهما ضدان أصيلان، بينما الكيان الصهيوني كيان غاصب محتل لجزء من العالم الإسلامي.

ثانيا– أن الأحكام الفقهية التي تتعلق ببلاد الكفر التي يقطنها كفار أصليون يعيشون في بلادهم، بخلاف الأحكام الفقهية التي تتعلق ببلاد المسلمين التي احتلها الكفار الغاصبون.

ثالثا– أن أصل العلاقة مع الدول غير المسلمة هي علاقة السلم بيننا وبينهم، كما قال تعالى: ﴿‌لَا ‌يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، بينما أصل العلاقة بين العالم الإسلامي والكيان الصهيوني هي علاقة الحرب والمدافعة والعداء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9].

الحكم الشرعي للكيان الغاصب:

الحكم الشرعي الذي استقرت عليه المجامع الفقهية ومؤسسات وهيئات ودور الإفتاء في العالم الإسلامي أن الكيان الصهيوني كيان كافر  محتل غاصب لأرض المسلمين  في فلسطين، احتل أرضهم، وأخرج أهلهم،  وسفك دماءهم، وشرد أطفالهم ونساءهم،  وأن الواجب على المسلمين الجهاد ضده، وإخراجه وطرده من بلاد المسلمين، ولا يجوز الاعتراف به، بأي حال كانت، لقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا ‌مِنْ ‌دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 39-40]، وأي احتلال لأرض الإسلام باطل شرعا، ولا يجوز إقراره أو الاعتراف به، أو التعاون معه، لقوله تعالى: ﴿‌وَلَنْ ‌يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] .

حكم عقد الاتفاقات مع الكيان الصهيوني:

الأصل أنه يحرم شرعا على الدول الإسلامية عقد الاتفاقات مع الكيان الصهيوني باي شكل من الأشكال، سواء كانت اتفاقات عسكرية أو سياسية أو تجارية أو غيرها، وذلك لما يلي:

أولا– أن الاتفاق مع الكيان الصهيوني من صور موالاة الكافرين المحاربين على المسلمين، وهو حرام شرعا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9].وهو وصف ينطبق تماما على الكيان الصهيوني الذين قاتلنا ويقاتلنا في ديننا، وأخرج إخوتنا – ولا يزال- من أرضهم، وظاهر على إخراجهم، والتحالف معه اعتراف به ، وهو نوع من الموالاة المحرمة شرعا.

ثانيا- أن عقد الاتفاقات مع الكيان الصهيوني يناقض نصرة إخوتنا المظلومين المستضعفين في فلسطين، وهو خذلان لهم، وطعن في ظهورهم، وهو يتنافي مع ما أوجبه الله تعالى من النصرة لهم على أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا ‌مِنْ ‌لَدُنْكَ ‌وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]، و للحديث المتفق عليه:” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمي”، وعقد الاتفاق مع الكيان الغاصب هو خيانة لمفهوم الجسد الواحد.

ثالثا- أن عقد الاتفاقات مع الكيان الصهيوني بمثابة إقرار واعتراف بسلطة الاحتلال الكافر لأرض الإسلام، كما أنه بمثابة تنازل عن جزء من أرض الإسلام للكافر المحتل المعتدي، وهو من أشد المنكرات وأكبر الكبائر، كما أنه من أعظم صور التعاون على الإثم الذي حرمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿‌وَلَا ‌تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم” رواه أبو داود، فأمان الأمة لا يتجزأ، فالأمة يد واحدة، والتحالف مع الغاصب خيانة لله ورسوله وللأمة الواحدة.

شبهة القول بالجواز استنادا لصلح الحديبية:

يسوغ لبعض المنسبين لأهل العلم تجويز الاتفاقات والمعاهدات مع الكيان الصهيوني استدلالا بصلح الحديبية بين الرسول صلى  الله عليه وسلم ومشركي مكة، وهو استدلال باطل لا تقوم به الحجة في القول بالجواز، من عدة وجوه، أهمها: أن قريشا لم تحتل أرضا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقرهم النبي على عقائدهم، أو تنازل عن ثوابت الإسلام، كما أنه كان صلحا مؤقتا لا مطلقا ولا مؤبدا، كما كان المسلمون في  موقف قوة لا ضعف، وكان الصلح بإرادة سياسية من الرسول صلى الله عليه وسلم ولمصلحة الإسلام والمسلمين ولم تمله قريش وحلفاؤها عليه، كما كان فيه اعتراف بشرعية دولة الإسلام الناشئة، وذلك كله يخالف الاتفاقات مع الكيان الصهيوني.

كما أن القول بالجواز استنادا لإناطة الاتفاق لأولي الأمر، فإنه كما فسر كثير من العلماء أن أولي الأمر هم الفقهاء والعلماء الذين يقدرون الأمور بميزان الدين والمصلحة الشرعية لا بميزان الأهواء وموالاة غير المسلمين.

متى يجوز عقد الاتفاقات مع الكيان الصهيوني:

يحرم عقد الاتفاقات الدائمة مع الكيان الصهيوني كما سبق، لكن تجوز في حالات أههما: إذا كانت الاتفاقات للضرورة الملجئة التي يحددها أهل فلسطين لا غيرهم، من حيث الكيفية والزمان،  كأن تكون لوقف إطلاق النار، ووقف نزيل القتل الواقع على أهل فلسطين، أو لتبادل الأسرى، أو لإدخال المساعدات الإنسانية لهم، مما فيه مصلحة المسلمين في فلسطين، على ألا يتضمن اعترافا أو تنازلا عن الحقوق المسلوبة، أو اعترافا بالكيان الصهيوني، وأن يكون مؤقتا لا مؤبدا على ما ذهب إليه الجمهور، وهو من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد في باب السياسة الشرعية، مع الحفاظ على الثوابت.

الخلاصة:

يجوز عقد الاتفاقات والمعاهدات بين المسلمين والكافرين في حال السلم دون الحرب، وأن تكون مبنية على تحقيق المصالح الشرعية للمسلمين،  والأصل أنه يحرم على الدول المسلمة عقد الاتفاقات والتحالفات مع الكيان الصهيوني الكافر الغاصب لأرض الإسلام، لأنه اعتراف بشرعيته على أرضنا، وتكريس لاحتلاله لنا، كما أنه خذلان للمسلمين، وقعود عن نصرتهم الواجبة، وخيانة لله ورسوله، وإقرار لمنكر الاغتصاب وما يتبعه من قتل وسفك للدماء ونهب للأموال والبيوت والثروات، واعتداء على حرمات الإسلام والمقدسات، لكن يجوز إن كان مؤقتا لضرورة ملجئة، ولتحقيق مصالح شرعية، على ألا يتضمن الاعتراف بالكيان الغاصب الكافر.

والله أعلم

صادر عن هيئة فتاوى الشأن العام

تحريرا في 14 رجب 1447هـ

 

 

 

 

 

هل كانت المقال مفيداً ؟
نعملا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى