
رتق غشاء البكارة والإجهاض بسبب اعتداءات الدعم السريع في السودان
ما الحكم الشرعي فيما يتعلق بما تقوم به قوات الدعم السريع في السودان من اغتصاب للنساء والفتيات، ما يترتب عليه من فض غشاء البكارة للفتاة العذراء وربما تحمل من هذا الاغتصاب، وكذلك حمل النساء المتزوجات المغتصبات، ما يسبب مشكلات أهمها موضوع النسب؟ فما الحكم الشرعي في مثل هذه الحالات؟ وما وجوه الترخص التي تخفف على تلك الفتيات والنسوة ما وقعن فيهن من بلاء لا ذنب لهن فيه، وبخاصة أنه حسب التقارير الدولية والمحلية أن الأعداد تتكاثر من جراء هذا الإجرام، الذي تقوم به قوات الدعم السريع، وهي في غالبها محسوبة على أنها مسلمون وليسوا كفارا؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فلا شك أن الاعتداء الجنسي على الفتيات والنساء من أكبر الكبائر وأفحش الأفعال، وهو دليل على خسة الفاعلين، وأنهم لا خلاق لهم، وأن الإيمان قد نزع من قلوبهم، وأنهم ينتمون إلى الأمة زورا وبهتانا، وأن مثل هذه الأفعال التي حرمها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هي في الأصل من أفعال الكافرين، وأن من يأتونها يتشبهون بالكفار، وإن كانوا ينتسبون إلى أهل ملتنا.
ولابد من وضع بعض الحقائق أولا قبل بيان الحكم الشرعي في تلك النازلة، ومن أهمها:
- أن هناك فرقاً بين الزنى والاغتصاب، فالأول يتم بالتراضي، والثاني يتم بالإكراه، والشريعة لم تساو بين التراضي والإكراه.
- أن الاغتصاب من الحالات التي سكت عنها الشارع، وتركها للاجتهاد؛ لأن ما يترتب عليه يختلف باختلاف الحالة التي تم فيها الاغتصاب، فهي من باب المسكوت عنه، الخاضع للاجتهاد، فليس فيها نص من كتاب أو سنة.
- المفهوم من وحي الشريعة أن عقوبة الاغتصاب أشد وأغلظ من عقوبة الزنى، وتشتد العقوبة في الاغتصاب إن كانت جماعية ممنهجة، فهي من باب الحرابة، ولا تتساوى مع حصول الاغتصاب من الفرد وحده دون الجماعة.
- أن الفتاة – أو المرأة- المغتصبة لا ذنب لها فيما وقعت فيه، وهي مجني عليها، مادامت قد قاومت ودافعت عن نفسها ، ولم ترض بما حصل لها، فلا يتوجه إليها لوم أو عقاب، بل الواجب في حقها بيان أنها وقعت في ابتلاء تثاب عليه عند الله تعالى.
- أن الواجب على المجتمع مواساة المغتصبة، وأن يخفف عنها ما وقعت فيه نفسيا واجتماعيا، وألا يكون ذلك مانعاً من الزواج بها، بل الزواج بها – في مثل هذه الحالة- من أعظم القربات عند الله تعالى.
- أن صبر المرأة على هذا الابتلاء وقبولها إكمال جنيتها حتى تلد مما تثاب عليه عند الله تعالى، كما أنه من الأفعال المحمودة شرعا.
- كما أن الواجب على الحكومات وبخاصة الحكومات الإسلامية أن تقوم بدورها بالضغط على قوات الدعم السريع لمنع تلك الجرائم المرتكبة في حق النساء والأطفال والشيوخ والرجال.
ويترتب على الاغتصاب كثير من الآثار، أهمها مسألتان:
الأولى: رتق غشاء البكارة:
اختلف الفقهاء المعاصرون حول رتق غشاء البكارة، فمنهم من حرمه بإطلاق، ومنهم من حرمه إن كان من زنى، ومنهم من أجازه بإطلاق من باب الستر، ومنهم من أجازه إن كان بسبب خارج عن إرادة المرأة كالاغتصاب والاعتداء الجنسي أو حمل شيء ثقيل، أو كان بسبب ممارسة بعض الرياضات ونحوها.
والراجح أنه لا يجوز إلا في حالة الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، أو كان بسبب خارج عن إرادة المرأة، ولا دخل لها في ذلك، وهو ما ذهب إليه كثير من المجامع وهيئات ودور الإفتاء وكثير من الفقهاء المعاصرين.
وقد استدل المجيزون في مثل هذه الحالة بعدد من النصوص الشرعية والقواعد الفقهية والاستئناس بمقاصد الشريعة، من ذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:19]. فالآية تدعو إلى الستر، والرتق من أعظم وسائل تحقيقه. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف:56]. والاغتصاب والاعتداء الجنسي من أكبر أشكال الإفساد، وعملية الرتق وسيلة لإصلاحه، فيكون مشروعا. ومن الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه” رواه الطبراني، وعملية الرتق إزالة للضرر النفسي والجسدي والاجتماعي الواقع على المرأة المغتصبة.
ومن جملة القواعد الفقهية التي استند بها المجيزون في هذه الحالة، قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة: (المشقة تجلب التيسير)، وقاعدة (ارتكاب أخف الضررين)، وكل تلك القواعد يفهم منها أن رتق غشاء البكارة للمرأة المغتصبة جائز، لما فيه من التيسير وإزالة الضرر، ورفع الحرج، وارتكاب أخف الضررين، كما تستند إلى قاعدة (البراءة الأصلية)، فهي تعيد العضو إلى وضعه الطبعي قبل الاعتداء، وليس تدليساً أو تزويراً للواقع، فهو بمثابة ترميم عضو لا تغيير شكل.
كما أن النظر المقاصدي يجيز رتق غشاء البكارة في مثل هذه الحالة، فإن مقصود النهي الوارد في المرأة الثيب وادعائها أنها بكر، هو عدم زواجها سابقا، أو أنها ليست زانية أو صاحبة فحش، وأنها لم تغش زوجها، كما أن بقاء المرأة بعد فض غشاء البكارة مما يحول دون زواجها؛ وذلك لإعراض الخُطّاب عنها خشية أن تكون زانية، والعفاف بالزواج من مقاصد الشريعة، وكونها زانية ليس حاصلاً في مثل هذه الحالة، كما أن المرأة حفظت عرضها، ولم تنتهكه، وفي رتق غشاء البكارة تحقيق لمقصد حفظ الأعراض، وهو حاصل في القول بالجواز، وفيه تحقيق مقاصد اجتماعية للمرأة ، من أهمها: حمايتها من الأذى الاجتماعي، من الفضيحة، والطلاق والحرمان من الزواج وازدراء الناس لها، ورد لشيء من كرامتها المسلوبة، والقول بالتحريم قد يؤثر سلبا على حياتها، وربما يجرها إلى الرذيلة، فكان في القول بالجواز حفظ لدينها ونفسها.
المسألة الثانية: إجهاض الجنين:
الأولى شرعاً حفظ الجنين وعدم إجهاضه، ومعالجة الآثار الناجمة عن ذلك، وبخاصة في مثل تلك الحالات التي تقع في الحروب، حيث يكون الداعي إلى اتهام المرأة في شرفها ضعيفا، مع حصول ذلك لكثير من النساء، فيكون ذلك حالة عامة، وعلى الدولة أن ترعى هؤلاء الأولاد الناتجين عن الاغتصاب، إن رضيت أمهاتهن وأهلهن بإكمال الحمل حتى الولادة، وذلك من خلال بناء بيوت خاصة بأبناء المغتصبات، والقيام برعايتهم وتدبير شؤونهم.
أما إذا رغبت المرأة في إجهاض جنينها الذي لم ترض به ولم تكن شريكة فيه، بل جاء نتيجة اعتداء عليها، ففي هذه القضية حالات، هي:
الحالة الأولى: بعد نفخ الروح:
اتفق الفقهاء على حرمة إجهاض الجنين بعد نفخ الروح، وتتأكد الحرمة بعد مئة وعشرين يوما؛ لأنه من باب حرمة قتل النفس، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]. والجنين المخلوق نفس يحرم قتلها.
الحالة الثانية: قبل نفخ الروح:
وفيها فرعان:
الفرع الأول: إن كان الإجهاض قبل أربعين يوما:
فقد ذهب بعض الحنابلة وبعض المالكية إلى جوازه قبل أربعين يوماً، قال المرداوي في الإنصاف: “ ويجوز شرب دواء لإسقاط نطفة” .ا.هـــ
وتتوجه غالب الآراء المعاصرة إلى القول بالجواز؛ لأنه يكون قبل التخلق، وليس فيه اعتداء على نفس. وهو قرار هيئة كبار العلماء رقم (140) الصادر في الدورة التاسعة والعشرين
الفرع الثاني: إن كان بعد الأربعين إلى ما قبل مئة وعشرين يوما:
اختلف الفقهاء في جواز الإجهاض في هذه الفترة، فذهب الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة إلى جوازه إذا كان قبل نفخ الروح، قال الرملي في نهاية المحتاج”: الراجح تحريمه بعد نفخ الروح مطلقاً وجوازه قبله”. ا.هـ وفي حاشية قليوبي: ”نعم يجوز إلقاؤه ولو بدواء قبل نفخ الروح فيه خلافاً للغزالي”.ا.هـ، وذهب المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى عدم الجواز مطلقاً، قال الدردير في شرحه على خليل: “لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً”.ا.هــــ
وممن قال بذلك من المعاصرين المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، في القرار رقم: ٤/ ١٢، ، المنعقد بمكة في ١٥ – ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ/١٠ – ١٧ فبراير ١٩٩٠ م، وذلك في حال كان الجنين مشوها، ويغلب على الظن عدم علاجه. كما أنه قرار هيئة الفتوى بالكويت، وغيرهما من الهيئات.
والقول بالجواز يتقوى في حالة حصول الحمل بسبب الاغتصاب الحاصل في الحروب أو غيرها، مما لا دخل للمرأة فيه، وذلك من باب الموازنة بين إجهاض جنين، تخلق لكنه ليس تخلقاً كاملا، وإن كانت فيه حياة متقدمة لكنها ليست كاملة، والحياة موجودة في الجنين قبل هذه الفترة وإن كانت بدرجة أقل، وبين ولادة غير مرغوب فيها، قد حصلت بالإكراه وعدم الرضا، وما يترتب على ذلك من الأذى النفسي والاجتماعي، وما يحصل جراءه من آثار سلبية، ويشهد لهذا كثير من النصوص والقواعد في رفع الحرج والمشقة، والاستناد إلى أحكام الضرورة.
ويترجح القول بالجواز لما يلي:
- أن الفقهاء أجازوا الإجهاض بعد نفخ الروح إن كان فيه خطر على حياة الأم، فيكون القول بالجواز قبل نفخ الروح أولى، وإن أجيز بعد نفخ الروح حفاظا على حياة الأم، فيجوز قبل نفخ الروح حفاظا على الأم من الأذى الحاصل لها.
- أن القول بحرمة الإجهاض قبل نفخ الروح فيه تحقيق لمقصود الطغاة الظالمين المعتدين، مما يشجعهم على مزيد من انتهاك الأعراض والاغتصاب؛ فيعاملون بنقيض قصدهم، ومراعاة لمآلات الأمور؛ حتى لا تزيد حالاته، وهو ملمح شرعي روعي في كثير من الأحكام، منها القصاص في قتل العمد؛ حقنا للدماء، وهنا يكون منعا لكثرة الاغتصاب إن رأوا عدم تحقق مقصودهم من إذلال الناس وإرغامهم على الاستجابة لمطامعهم والرضا باحتلال قراهم، فيمتنعون عنه؛ إذ الاغتصاب ليس مقصودا لذاته، بل هو وسيلة لتحقيق المطامع السياسية لهم.
- أن بقاء ابن الزنى؛ حتى تعيَّر به المرأة؛ فتمتنع النساء عن ارتكاب الفاحشة، وبقاء ابن الاغتصاب على خلاف مقصود الشارع.
على أن القول بالجواز قبل نفخ الروح بمئة وعشرين يوما، هو جواز بخلاف الأولى، وألا تجبر المرأة عليه، بل يكون لها الاختيار بين الإجهاض والترك، وألا يترتب على الإجهاض ضرر جسدي يلحق بها، فإن رعاية مصلحة الأم مقدَّمة على رعاية مصلحة الجنين، كما هو مقرَّر شرعا، فيجب أن يكون قرار الإجهاض باستشارة وإشراف الأطباء الثقات.
ويتوجب على الدولة السودانية القيام بدراسة هذه الحالة من الناحية النفسية والاجتماعية والصحية، وأن تقوم مراكز البحث العلمي ببيان المخاطر والآثار المترتبة على ذلك، وأن يقدموا للدولة الاقتراحات والحلول المناسبة، وألا يتوقف نظرهم على الإجهاض وحده، بل تقدم دراسة متكاملة لحل المشكلة وآثارها المتعددة.
والله أعلم
صادر في 14 رجب 1447هـ
هيئة فتاوى الشأن العام



