
تداول نشطاء مقطع فيديو يصور سيارة تضع علم الكيان الصهيوني عليها وهي تتجول في إحدى مناطق محافظة الجيزة في مصر، وبالتحديد في مدينة كرداسة، وقد تعمد صاحب السيارة وهو مهندس زراعي أن يتجول بالسيارة في شوارع منطقة تعرف بأنها من أكثر المناطق تدينا، بل وتعمد أن يقف بسيارته في أحد الأسواق، مما أشعل غضب الناس، ورفض صاحب المحل وقوف السيارة أمام محله، وترتب عليه قيام مشادة وشجار في الشارع بين الناس وصاحب السيارة صاحبة علم الكيان الصهيوني، مما اضطره للفرار من الشارع وصدم ستة من المارة نقلوا إلى المستشفى قبل إيقافه والقبض عليه وعلى سيارته وتسليمه لمركز الشرطة الذي يحقق معه في الحادثة.
ولهذه الحادثة دلالات كثيرة وخطيرة، وذلك أن الشعب المصري معروف بعدائه التاريخي للكيان الصهيوني، والأمر – كما يحلله البعض- محاولة لجس نبض الشعب المصري لمدى قبوله للتطبيع مع الكيان الغاصب، والعدو التاريخي لمصر وشعبها.
ولكن للأسف أن يكون مثل هذا الفعل صادرا من مهندس مصري مسلم، فهذا مما يوجب التنبيه إلى بيان الحكم الشرعي في هذه الحادثة الفردية وأمثالها، حتى لا تتكرر مرة أخرى.
فوضع علم الكيان الصهيوني على سيارة مسلم حرام شرعا، بل هو كبيرة من الكبائر؛ لأن الواجب الشرعي مع الكيان الصهيوني أنه عدو محتل لأرض من أرض المسلمين، وأن الواجب جهاده وطرده من أرض المسلم، كما قال تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [الحج: 39-40].
وإن هذا الفعل يعد مناصرة لأعداء الله تعالى، ومظاهرة لهم على المسلمين، وإن كل من يظاهر الكفار وبخاصة الكيان الصهيوني على المسلمين، بأن تقوم طائفة من المنتسبين لدين الإسلام، فيكونوا أنصارا وعونا وسندا للكافرين على المسلمين، فهذا إن كان يفعله محبة للكفار، وقصدا لعونهم على المسلمين، فهذه ردة عن الإسلام، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 80-81].
يقول ابن تيمية – رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/ 17-18): «فذكر ” جملة شرطية ” تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف ” لو ” التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} . فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء؛ ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} . فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمنا. وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم؛ فالقرآن يصدق بعضه بعضا».
بل تحرم الموالاة بمجرد القلب والشعور، «فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب».
وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].
قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: «تفسير الطبري » (6/ 313): «ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك =”فليس من الله في شيء”، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر =”إلا أن تتقوا منهم تقاة”، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل».
ومما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 51-52] .
قال ابن حزم – رحمه الله- في «المحلى بالآثار» (12/ 33): «وصح أن قول الله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط – وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين».
وقال القاسمي في « محاسن التأويل» (4/ 162): «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي: من جملتهم.
وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة».
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران: 28].
قال الشوكاني في «فتح القدير » (1/ 380): « ومعنى قوله: فليس من الله في شيء أي: من ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال. قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة على صيغة الخطاب بطريق الالتفات، أي:إلا أن تخافوا منهم أمرا يجب اتقاؤه، .. وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا باطنا. وخالف في ذلك قوم من السلف، فقالوا:لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام».
ويشهد له أيضا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: 14-15]
قال الواحدي في «الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» (ص1078): «{ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم} أَي: المنافقين تولَّوا اليهود وناصحوهم ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين {ما هم منكم} أيُّها المؤمنون {ولا منهم} من اليهود {ويحلفون} أنَّهم لا يخونون المؤمنين {وهم يعلمون} أنَّهم كاذبون في حلفهم».
فبان من كل ذلك أن من والى الصهاينة المعتدين بكل وسيلة ممكنة من دعم مادي أو معنوي أو استخباراتي، يقصد بذلك عونهم وإظهارهم على أهل الإسلام، فقد حصلت له الردة.
أما من فعل ما يظاهر به الكيان الصهيوني الكافر عن جهل أو طمعا في دنيا، وليس مناصرة لهم على أهل الإسلام، فقد أتى كبيرة من الكبائر، وهو آثم عند الله تعالى، لكنه لا يخرج عن الملة، والواجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى.
قال ابن عطية الأندلسي في « المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» (2/ 203):
«نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديا ورهنه درعه».
وما قام به الناس في الشوارع من زجره وطرده هو من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يثاب عليه فاعلوه؛ حتى ينزجر أمثاله، وهو نصرة لله ورسوله والمؤمنين، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7].
وإن حراسة الدين واجبة على جماعة المسلمين بالحكمة، وبالقدر الذي يناسب إنكار المنكر، بحيث لا يؤدي إلى منكر أكبر منه، وهو تحقيق للولاية بين المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]
د. مسعود صبري




