
هذه الفتوى منشورة على موقع الإسلام سؤال وجواب، وقد تناولت حكم سفر الزوجة إلى أهلها قبل الطلاق، ومكان اعتدادها بعد الطلاق، مع بيان الفرق بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن. وقد تمت الإجابة عن السؤال وبيان الأحكام المتعلقة بذلك استنادًا إلى الأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم.
السؤال
أنا أريد أن أطلق زوجتي، ونحن نعيش في بلاد غربية، ولا نتكلم مع بعضنا، وليس لدينا أولاد، سؤالي هو: إن بقاءها للعدة سيكون طويلا؛ حيث إننا في بلد غريب، وأنا لا آمنها خاصة إني أخرج للعمل لساعات طويلة، فهل أستطيع أن أجعلها تسافر إلى أهلها في بلادها، ثم اطلقها هناك؛ حتى لا تقضي العدة معي، فهي لا ترغب في الجلوس عندي حتى تنقضي عدتها، الطلاق لم يقع بعد، أنا أنتظر حتى تحيض ثم أطلقها بعد أن تطهر، وأنا أعلم إذا طلقتها لا ينبغي إخراجها حتى تكمل عدتها؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا :
إذا كان الطلاق رجعيا وهو الطلقة الأولى أو الثانية، فإنه يجب للمطلقة النفقة والسكن مدة العدة ، ولا يجوز للزوج أن يخرجها من بيته، ولا يجوز لها أن تخرج، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وهي الزنا أو سوء الخلق ، فللزوج حينئذ أن يخرجها من بيته وتعتد في مكان آخر .
والدليل على ذلك قوله تعالى : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) الطلاق/1 .
قال السعدي رحمه الله :
“ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ مدة العدة، بل يلزمن بيوتهن الذي طلقها زوجها وهي فيها.
وَلا يَخْرُجْنَ أي: لا يجوز لهن الخروج منها، أما النهي عن إخراجها، فلأن المسكن، يجب على الزوج للزوجة ، لتكمل فيه عدتها التي هي حق من حقوقه.
وأما النهي عن خروجها، فلما في خروجها، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه.
ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت، والإخراج إلى تمام العدة.
إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي: بأمر قبيح واضح، موجب لإخراجها، بحيث يدخل على أهل البيت الضرر من عدم إخراجها، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة، ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها، والإسكان فيه جبر لخاطرها، ورفق بها، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها” انتهى .
ثانيا :
إذا عزمت على طلاقها، ولم يكن لها رغبة في البقاء معك، وتخشى فسادا من تركها في بيتك مدة العدة: فإن المخرج أن ترسلها إلى أهلها، ثم تطلقها على عوض، كأن تتنازل هي عن شيء من مهرها، أو تدفع مالا، والطلاق على عوض طلاق بائن.
والراجح فيه أن المطلقة البائن لا سكنى لها، وأنها تعتد حيث شاءت، وهو مذهب أحمد، وقول ابن عباس، وجابر. وبه قال عطاء، وطاووس، والحسن، وعمرو بن ميمون، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
قال ابن قدامة رحمه الله : “قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَسْكُنُهُ فِي الطَّلَاقِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : لَهَا السُّكْنَى، أَوْ لَمْ نَقُلْ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْن إقْرَارِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، وَبَيْنَ نَقْلِهَا إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا” انتهى من المغني (11/302) .
وقال البهوتي رحمه الله في “شرح منتهى الإرادات” (3/206) : (وَتَعْتَدُّ بَائِنٌ)، بِطَلْقَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ فَسْخٍ (بِـ) مَكَان (مَأْمُونٍ مِنْ الْبَلَدِ) الَّذِي بَانَتْ فِيهِ، (حَيْثُ شَاءَتْ) مِنْهُ. نَصًّ عليه أحمد ، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: ( طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَلَا تَبِيتُ إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْمَأْمُونِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي شَاءَتْهُ.
(وَلَا تُسَافِرُ) قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. لِمَا فِي الْبَيْتُوتَةِ بِغَيْرِ مَنْزِلِهَا، وَسَفَرِهَا إلَى غَيْرِ بَلَدِهَا مِنْ التَّبَرُّجِ وَالتَّعَرُّضِ لِلرِّيبَةِ” انتهى .
ثالثا :
أما قوله تعالى : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) فهو في شأن الرجعية ، ولذلك قال الله تعالى بعدها : (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً). والمراد بهذا الأمر : الرجعة ، وإذا كان الطلاق بائنا فلا رجعة .
قال السعدي رحمه الله (ص 870) : “وهذا في المعتدة الرجعية، وأما البائن، فليس لها سكنى واجبة، لأن السكن تبع للنفقة، والنفقة تجب للرجعية دون البائن” انتهى .
وينظر كلام ابن القيم رحمه الله على حديث فاطمة بنت قيس في “زاد المعاد” (5/466) وما بعدها.
والله أعلم .
المراجع
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب




