السياسةالفتاوى

شراء أصوات الناخبين عن طريق الرشوة

  • السؤال:
نحن طلبة في الجامعة نريد أن ندخل في منافسة نزيهة حرة مع زملائنا في انتخابات طلابية ونعطي الفرصة للطلاب في اختيار من يروه مناسبا وأقدر على المطالبة بحقوقهم والتعبير عن إرادتهم، غير أن زملائنا الذين يحرصهم النظام استعانوا علينا بالرشاوي التي يقدمونها بسخاء من مال الشعب للطلاب حتى ينتخبوهم، وأعدوا لذلك ميزانية ضخمة فهل من كلمة للعلماء يوجهونها لعموم الطلاب حتى يمتنعوا عن قبض الرشوة من أجل الإدلاء بشهادة هم يعلمون أنها مزورة؟؟ وهل من كلمة توجهونها للطلاب المرشحين ليكفوا عن دفع الرشوة من أجل تتزيف إرادة الطلاب، علما بأنهم يستعينون على ذلك بوسائل خسيسة حيث إنهم يحّلفون الطلاب على المصاحف بعد أن يعطوهم المال أن يصوتوا في الانتخابات لصالحهم وجزاكم الله خيرا.

 

  • الجواب:

بناء على السؤال المقدم من بعض الطلبة، من كون بعض المرشحين لانتخابات الطلبة بالجامعة يدفعون أموالا لشراء أصوات الطلاب، حتى يفوزوا هم بمقاعد الانتخابات الطلابية بالجامعة، فنقول وبالله التوفيق:

إن شراء الأصوات بالمال أو بغيره من الوسائل التي تجعل المرء يحيد عن اختياره الذي يراه في نفسه، هو ضرب من السلوك المنهي عنه شرعا، والذي يأثم فاعله، الآخذ والمعطي، و هو من أشد الإثم.

ويمكن النظر إلى المسألة من جهة المرشح الذي يعطي الأموال، ومن جهة الناخب الذي يعطي الأصوات مقابل المال.
أما فيما يخص المرشح:

ففي إعطاء الطلاب مالا لانتخابه نوع من الرشوة، وهي محرمة، ويستوجب من فعلها اللعن كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [لعن الله الراشي والمرتشي.] رواه أحمد والطبراني وأبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.

وزيد في بعض طرقه: [والرائش الذي يمشي بينهما.] قال الإمام المناوي في شرح هذا الحديث في كتابه ”فيض القدير”:

لأن الرشوة على تبديل أحكام اللّه إنما هي خصلة نشأت من اليهود المستحقين اللعنة فإذا سرت الخصلتان إلى أهل الإسلام استحقوا من اللعن ما استحقه اليهود كذا في المطامح.. وقد جاء النهي عن الرشا حتى في التوراة ففي السفر الثاني منها: لا تقبلن الرشوة فإن الرشوة تعمي أبصار الحكام في القضاء.”

 

  • أما عن الناخب، فيمكن القول:

– أن الله تعالى أمر أن يشهد المرء بالحق، بل منع كتم الشهادة، فقال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}، وكتم الشهادة لا يكون بالامتناع عن الشهادة فحسب، بل يكون بكتمان الحق وإخفائه.
وإظهار الباطل وإعلاؤه ضرب من كتمان الشهادة، وهو حرام بنص القرآن الكريم، وليس في ذلك خلاف. بل يذكر القرآن أن من يشهد لغير الله تعالى يجد أثر ذلك على قلبه.

 

– أن الله تعالى طلب أن تكون الشهادة له هو، لا لغيره، يعني ألا يقصد الإنسان بالشهادة إلا وجه الله تعالى وحده، – والانتخابات نوع من الشهادة – بعيدا عن أي تيار مهما كان اتجاهه، فالأصل أن من ينتخب يوقع لله تعالى ويشهد أمامه أنه انتخب فلانا أو الفيصل الفلاني، وأنه شهد أمام الله أنه يرى بقلبه أن من انتخبه أحق بمقاعد الانتخابات من غيره، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}، و دفع الأموال للطلاب الفقراء أو غيرهم ليغيروا شهادتهم أمام الله تعالى يجعل الشهادة لغير الله، وهو محرم شرعا.

 

-أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من علامات الساعة، والتي ينكر فعلها أن يوسد الأمر إلى غير أهله، كما جاء في حديث أبي هريرة قال:
بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذ قضى حديثه قال: [أين السائل عن الساعة]. قال: ها أنا يا رسول الله، قال: [فإذا ضعيت الأمانة فانتظر الساعة]. قال: كيف إضاعتها؟ قال: [إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة].

فإعطاء الأصوات لمن دفع المال تضييع للأمانة، وإعطاء أماكن لأناس ليسوا أهلا لها، وما يتبع ذلك من فساد، وما بني على باطل فهو باطل، وما بني على حرام، فهو حرام.

وكما قال شراح الحديث: ”إلى غير أهله” يعني من ليس كفئا له.

 

– أن من ينتخب من لا يستحق، بل ينتخبه لأجل ماله، فإنه أتى شهادة الزور، وهي محرمة بنص القرآن الكريم:”فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور”، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد و الترمذي بسنديهما عن أيمن بن خريم: ”يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكا بالله ثم قرأ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.”يقول الإمام ابن العربي من فقهاء المالكية: ”شهادة الزور كبيرة عظمى ومصيبة في الإسلام كبرى لم تحدث حتى مات الخلفاء الثلاثة وضربت الفتنة سرادقها فاستظل بها أهل الباطل وتقولوا على اللّه ورسوله ما لم يكن وقد عدلت شهادة الزور في الحديث الإشراك باللّه وتوعد عليهما رسوله حتى قال الصحب ليته سكت وقد جعلها عدل القتل في حديث لأنه قد يكون بها القتل الذي بغير حق ويكون بها الفساد في الأرض وهو عديل للشرك.”
وقد عد الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة الزور كبيرة من الكبائر، فقد روى مسلم عن أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر (أو سئل عن الكبائر) فقال: [الشرك بالله. وقتل النفس. وعقوق الوالدين.] وقال: [ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟] قال: [قول الزور (أو قال شهادة الزور).] قال شعبة: وأكبر ظني أنه شهادة الزور. 

 

– أن إعطاء الشهادة وانتخاب من لا يستحقون، إلا لأجل أموالهم، نوع من الإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا}، وقال أيضا: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}، وغيرها من الآيات التي تنهى عن الإفساد في الأرض، وحين يأخذ أناس غير أماكنهم، وقد بدأوها بشراء أصوات غيرهم بالمال، فكيف يكون حال هؤلاء؟

 

– إن من استغل حاجة الناس وفقرهم، ليشتري بأمواله أصواتهم هو عمل الفاسقين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ويكون كل إفساد عليهم، وعلى من ساعدهم للوصول إلى هذا المكان.

أما بخصوص القسم واليمين على أن ينتخب الإنسان فلانا، وهو يرى أنه ليس كفؤا، فإنه لا يجوز له البر بيمينه، بل الواجب عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير، كما روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير].

ولا يجوز الانتفاع بالمال الذي يدفعه من يمتلكون هذا المال انتفاعا شخصيا، بل الأولى أن ينزه المسلم نفسه عن هذا المال بالكلية، لأنه أتى من طريق غير شرعي، فلا يجوز الانتفاع به، ومن كان قبض مالا، فليتبرع به، وأن ينفقه في أوجه الخير، حتى لا يدخل جوفه شيء من حرام.

وليسائل كل طالب نفسه: ماذا يقول لله تعالى حين يقف أمامه يسأله عمن انتخبه، هل كان له أم لا؟ {وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان وغيرهما:”ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة.”
فليحاكم كل طالب ضميره، ولا ينظر إلى فقر اليد، ففقر القلب يميته، وكم من فقير اليد، وهو غني القلب، وكم من غني اليد فقير القلب، ولا يقبل الله تعالى إلا من أتاه بقلب سليم. {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ}.

والله أعلم

 

  • د. مسعود صبري

هل كانت المقال مفيداً ؟
نعملا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى